• 22

    إب

  • 18

    ذمار

  • 20

    صنعاء

  • 38

    عدن

  • 26

    محافظة تعز

المناورة الخَطِرة.. كيف تحوّل "خزان صافر" إلى فزّاعة لابتزاز المجتمع الدولي؟

ملفات

منذ 4 سنوات، تتعالى الصيحات الدولية في التحذير من كارثة وشيكة قد تنجم عن تسرب أو انفجار سفينة/ خزان صافر النفطي الراسي على بعد 8 كيلو متر من ميناء رأس عيسى (قبالة الحديدة)، بعد تواتر التقارير المحلية والدولية حول تآكل هيكل الخزان الذي يحوي حاليًا 1,148,000 برميل من النفط الخام، قد يؤدي تسربها أو احتراقها إلى تبعات بالغة الخطورة على المستوى الإنساني والبيئي يطال تأثيره جميع دول البحر الأحمر خصوصًا اليمن والسعودية وجيبوتي وإرتريا، إلى جانب التأثير على أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحامًا، بنسبة تتخطى 10% من التجارة العالمية.

 

نظريًا يُبدِي الطرف المسيطر على الخزان وهم الحوثيون رغبتهم في التعاطي الإيجابي مع الجهود المكثفة من جانب الأمم المتحدة في احتواء الكارثة المرتقبة، بإعلان موافقتهم السماح للفريق الاممي بالوصول إلى الخزان لتقييم الأضرار والشروع في أعمال الصيانة وتفريغ الحمولة المقدّرة بــ 48 مليون جالون من النفط الخام، والتي يعادل قيمتها 50 مليون دولار، بالسعر العالمي الحالي.

 

مع ذلك، ظلت المفاوضات بشأن وصول الفريق الأممي إلى الخزان في حالة شدٍ وجذب طوال أكثر من 3 سنوات، لأسباب تتعلق في الاغلب بعراقيل يضعها الطرف المسيطر على الخزان، من خلال طرح شروط جديدة، أو سحب أذونات الوصول إلى الخزان في اللحظة الأخيرة، كما حدث في مايو/ أيار 2018، غداة كان فريق الصيانة المكلف من الأمم المتحدة يستعد للتحرك من جيبوتي لبدء مباشرة العمل، الأمر الذي تسبب في إلغاء المهمة وعودة المفاوضات إلى نقطة البداية، ثم تكرر السيناريو نفسه في أغسطس/ آب 2019، تمامًا كما حدث في العام الذي قبله.

 

في أعقاب ذلك، كان من البديهي أن تواجه جماعة الحوثي اتهاماتٍ من جانب غرمائها السياسيين بعرقلة جهود الأمم المتحدة والدفع في الاتجاه الخطأ، لإبقاء الوضع على حاله، وهو ما أجج جدلاً في الأوساط الإعلامية والشعبية عن مصلحة الحوثيين وحقيقة استعدادهم للمجازفة بالتسبب بكارثة بيئية واقتصادية سيكونون الأشقى بتبعاتها، الأمر الذي جعل البعض يميل إلى ترجيح فرضية وجود تهويل مريب حول التسرب الوشيك لأكبر خزان نفطي عائم في العالم.

 

للإحاطة بحقيقة ذلك، حاولنا التواصل والتنسيق مع مسؤولين من الصف الثاني في جماعة الحوثي بالحديدة بهدف توثيق الأضرار، ورغم الحصول على موافقة مبدئية، تعذر إيجاد وسيلة للوصول إلى الخزان أو الحصول على توثيق مادي للأضرار (صور/ فيديو)، بسبب الرقابة الصارمة والمشددة وحظر افشاء أي معلومات للإعلام، وفقًا للإخطار الذي تلقيناه من مصادرها بالحديدة، لكنها أكدت وجود ضرر فعلي في الخزان، لكن من المحتمل “أن يصمد الخزان لعام أو عامين إضافيين”، بحسب مسؤول أمني في جماعة الحوثي بميناء الحديدة.

 

تعثر أمام قنبلة موقوتة

منذ سنوات دأبت وسائل الإعلام على نعت سفينة صافر بـ”القنبلة الموقوتة”، إمعانًا في التحذير من تبعات انفجارها المحتمل، مع ذلك ظلت المباحثات بشأن إجراءات صيانتها تدور في إطار مفرغ (حتى الآن على الأقل) لاعتبارات تستدعي الوقوف على حثياتها تفصيلاً كما سيأتي مع الإشارة أن جماعة الحوثي كانت نقطة البَدْء والمَعَاد في جميع مراحل التفاوض المتعثرة.

 

حيث بدأ الحديث عن مخاوف انفجار أو تسرب خزان صافر لأول مرة في وسائل الإعلام عام 2016، الأمر الذي لفت اهتمام مكتب الشؤون الإنسانية “أوتشا” عبر منسقه في صنعاء، الذي أجرى حينها بعض الاتصالات مع حكومة الحوثيين حول إيجاد حل لإنقاذ الوضع دون أن تسفر عن نتائج ملموسة. وفي 2017، دارت عدة جولات من المناقشات، بين الجانب الأممي وأطراف الحرب في اليمن، اتفقت من حيث المبدأ على إجراء تقييم فني للسفينة والإصلاحات الأولية كإجراء عاجل.

 

انفوجرافيك يوضح التسلسل الزمني للأطوار التي مرت بها المباحثات المتعثرة بشأن خزان صافر النفطي

وخلال شهري فبراير، ومارس 2018، أرسلت الحكومة اليمنية والحوثيين، رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة طلبت فيها رسميًا تقديم المساعدة في إجراء تقييم للأضرار وعمل اصلاحات أولية، قوبلت بالموافقة من الأمم المتحدة على أن يتم استخراج الحمولة وبيعها ثم التخلص من السفينة، على أن تدفع الأمم المتحدة التكاليف المطلوبة، وبناءً على ذلك، تعاقد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، مع شركة إنقاذ متخصصة لبدء العمل على خزان صافر على النحو المتفق عليه، لكن قبل البدء في أي عمل، اندلعت المعارك بين قوات الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من التحالف على أطراف مدينة الحديدة في أبريل 2018، الأمر الذي توقف معه القيام بأي عمل في الخزان.

 

استمر الحال كذلك، حتى أغسطس 2019، حيث كان فريق الخبراء يستعد مرة أخرى لإرسال سفينة خدمة من جيبوتي لاستئناف العمل، لكن للمفارقة أنْ تمَّ سحب أذونات الوصول إلى الخزان من قبل الحوثيين في “اللحظة الأخيرة”، واضعين شروطًا تتعلق باتفاقية ستوكهولم قوبلت بالاعتراض من جانب الحكومة اليمنية.

 

وفي 27 مايو 2020، أجرى الحوثيون تقييمهم الخاص لحالة الخزان، أعقب ذلك تقارير تفيد بتسرب الخزان، وأن مياه البحر تدخل إلى غرفة المحرك، ورغم أن التسرب لم يكن كبيرًا فقد استغرق الأمر 5 أيام لإيقاف التسرب، وفي اليوم نفسه، أفاد مكتب المبعوث الأممي لدى اليمن أن الحوثيين وافقوا على السماح لبعثة التقييم بالمضي قدمًا بعد أن قدم الحوثيون للأمم المتحدة اتفاقًا موقَّعًا يقترح أن “تبدأ الأمور في التحرك”.

 

وفي 6 يوليو 2020، ناقش برلمان الحوثيين الحلول المحتملة للقضية، وكانت المفارقة أن انتهى إلى إلقاء اللوم على الأمم المتحدة والتحالف والولايات المتحدة، وحمَّل الجميع دون الحوثيين مسؤولية أي تسرب نفطي بخزان صافر.

 

وفي صيف 2020، أصبح البعد السياسي لقضية الخزان جلياً أكثر من ذي قبل، ترافقًا مع بعض المشاحنات والتوترات بين قيادة الحوثيين والمراقبين الدوليين، بعد أن وضع الحوثيون مسلحين وكاميرات مراقبة كرست أكثر من سيطرة الجماعة على الخزان النفطي، وقللت في المقابل من قدرة طاقمها على العمل بشكل مستقل إلى الحد الذي لم يعد فيه للشركة المالكة قانونيًا للخزان أي سيطرة فعالة، بحسب تقرير لجنة الخبراء الدوليين.

 

“وفي فبراير 2021 توصلت الأمم المتحدة إلى توافق إيجابي مع الحوثيين، وبمقتضاه تحركت البعثة المكلفة بالصيانة عبر سفينة خاصة من جيبوتي، قبل أن يتراجع الحوثيون على خلفيه تصنيفهم جماعة إرهابية من قبل واشنطن، حيث تم إخطار الأمم المتحدة بإيقاف جميع الإجراءات المتعلقة بعملية الصيانة إلى أجلٍ غير مسمى” بحسب مصدر مقرب من مكتب المبعوث الأممي الى اليمن.

 

مناورة سياسية

للوقوف على المشكلة من زاوية أعمق، قمنا بتحليل مضمون نحو200 تصريح وبيان صادر عن مسؤولين أو جهات رسمية في جماعة الحوثي بشأن قضية خزان صافر، خلال الفترة، منذ نهاية 2017 حتى إبريل/ نيسان 2021، إلى جانب الاطلاع على التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة خلال الفترة ذاتها، كان واضحًا حرص الحوثيين على إظهار جانب من المرونة على المستوى الرسمي في ضرورة الإسراع بصيانة الخزان، مع التمسك بتحفظات تفضي إلى تأجيل التنفيذ الفعلي، لكسب مزيد من الوقت، دون اغفال تحميل الأمم المتحدة والتحالف مسؤولية أي كارثة قد تحدث.

 

في ذات الوقت، لا ينفك القادة السياسيون في جماعة الحوثي، من استغلال أي مناسبة للمطالبة بتفعيل الجهود لإجراء صيانة عاجلة للخزان، في الوقت الذي تؤكد فيه الأمم المتحدة والحكومة اليمنية أن حل المشكلة يتوقف عند جدية الحوثيين، كونهم الطرف المسيطر على الخزان وتحت تصرفهم.

 

يؤكد مصدر مقرب من مكتب المبعوث الأممي في حديثه لنا أن الحكومة اليمنية والتحالف ليس بيدهما شيء بخصوص سفينة صافر، وقرار السماح بصيانتها أو الإبقاء عليها بيد الحوثيين دون غيرهم. مشيراً إلى أن الأمم المتحدة “سبق أن استأجرت سفينة مخصصة للبعثة الأممية وكانت في طريقها من جيبوتي لمباشرة العمل، بيد أنّ الحوثيين طرحوا شروطًا معقدة، ما أجبر بعثة الصيانة على العودة من طريقها بعد أن كانت استكملت جميع التصريحات عبر جيبوتي”.

 

في السياق أكد مصدر ذو صلة ببعثة التفاوض الأممية (فضَّل التحفظ عن هويته كونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام)، إنَّ “التلكؤ في حسم قضية صافر، يندرج تحت إطار سياسي واقتصادي معين، حيث يريد الحوثيون استخدامها كورقة رابحة، ويتعاملون مع الملف بشكل سياسي”، لافتًا إلى أن ذلك بات وضحًا لدى الأمم المتحدة.

 

وكان فريق لجنة الخبراء المكلف بمراقبة الوضع في اليمن، أشار في سياق تقريره الصادر نهاية يناير من العام الجاري 2021، إلى استخدام سلطات الحوثيين لقضية خزان صافر كـ أداة للمساومة السياسية، من منطلق فهمها أن منع الأمم المتحدة من الوصول إلى الخزان سيحمل المجتمع الدولي على تقديم تنازلات جدية من أجل حماية المدنيين المعرضين للخطر في اليمن والبحر الأحمر وممرات الشحن.

 

ولعل هذه المعطيات، جعلت مجلس الأمن يصوت بالإجماع في جلسته المنعقدة في 16 مارس/ آذار الماضي، على إقرار أن جماعة الحوثي تتعمد المراوغة في إرجاء صيانة الخزان، لجعله ورقةً لابتزاز المجتمع الدولي.

 

مسافة صفر من الاحتمال الأسوأ

وفق المعطيات الحالية يضع الخبراء بمركز إيكابس، سيناريوهين محتلمين لحدوث الكارثة المرتقبة؛ الأول غرق الهيكل بفعل فقد السيطرة على تدفق المياه إلى داخل المحرك، أما السيناريو الثاني، فهو حدوث حريق على متن الخزان حال حدوث اشتعال عرضي للغاز المتراكم على صهاريج النفط، والتسرب المتتالي لكميات النفط في البحر.

 

وبحسب الأمم المتحدة، فإن حدوث تسرب كبير للنفط يمكن أن يلحق أضرارًا بالغة بالنظم البيئية للبحر الأحمر، والتي يعتمد عليها حوالي 30 مليون شخص، بما في ذلك 1.6 مليون يمني، في حين توقعت دراسة حديثة أعدت بالشراكة بين مركز إيكابس وكاتبولت وريسك اوير لتقييم الأثر المحتمل بناءً على نماذج الانسكاب النفطي والتشتت في الغلاف الجوي، خلال الفترة بين إبريل إلى يونيو 2021، أن نحو 5.9 مليون شخص في اليمن و1 مليون في السعودية، من الممكن أن يتأثروا جراء انتشار ملوثات ضارة بتركيز عالٍ في الهواء، متسببة في تبعات صحية خطيرة خصوصًا على الأطفال وكبار السن ومرضى القلب والرئة في نطاق هذا التلوث، الذي لن يستغرق انتشاره سوى من 24 _ 48 ساعة من انفجار الخزان.

 

وتؤكد عديد الدراسات البحثية والتقارير الأممية (التي اطلعنا عليها) أن نطاق التلوث سيطال بشكل أكبر محافظات: الحديدة، وحجّة، وصعدة، وريمة، والمحويت، وذمار، وصنعاء، إلى جانب منطقة جازان (جنوب السعودية)، كما ستغطي أعمدة الدخان مناطق يمنية يعيش فيها 967 ألف نازح، مع التأكيد أن هذه المخاطر ستكون أكثر حِدَّة في ظل تفشي وباء كوفيد_19، وضعف مرافق الرعاية الصحية، فضلًا عن أزمة المعيشة ونقص المحروقات.

 

اقتصاديًا، تُقدِّر الأمم المتحدة التكلفة الاقتصادية لتسرب النفط إلى مصائد الأسماك اليمنية بنحو 1.5 مليار دولار على مدار 25 عامًا، كما سيتوقف مينائي الحديدة والصليف لمدة 3 أشهر، ما يعني نقص في إمدادات الغذاء والوقود، وتعذر دخول الواردات، التي يعتمد عليها أكثر من 80% من اليمنيين، إلى جانب زيادة في أسعار السلع الغذائية والخدمات بشكل يجعلها بعيدة عن متناول السواد الأعظم من اليمنيين.

 

كما أن نحو 500 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية في اليمن يمكن أن تتلقى ترسبات من الملوثات التي من شأنها أن تعيق نمو النباتات في المساحات المزروعة، متسببة في معاناة 3,25 مليون مزارع من خسائر بقيمة 70 مليون دولار، إلى جانب تلوث نحو 8,523 نقطه مائية في الآبار والأودية، الأمر الذي ستطال تبعاته (المباشرة وغير المباشرة) ما يقدر بنحو 9.9 مليون شخص في اليمن و1.5 مليون في السعودية.

 

التجديف في أُفقٍ غائم

بحسب ذات المصدر المقرب من مكتب المبعوث الأممي الى اليمن فإن النقاشات حول استئناف عملية الصيانة تجري حاليًا بين الأمم المتحدة والحوثيين، موضحةً أن حمولة السفينة ما تزال كما هي، ولا يعلم أحدٌ على وجه الدقة ميقات انفجارها، ما خلا التأكيد على حتمية حدوث ذلك في أي لحظة، سواءً حدث ذلك الآن أم بعد أشهر، حد قوله.

 

مع ذلك، لا يوجد ما يؤكد أن تفضي هذه النقاشات إلى تحرك جدي من جانب الطرف المسيطر على الخزان، أم أنها ستتعثر أسوةً بما حدث في الجولات السابقة، لكن المؤكد وفقًا للحيثيات السابقة أن سلطات الأمر الواقع تناور بمرونة لإبقاء قضية الخزان معلقة كل هذه المدة، بهدف الاستثمار في المخاوف الدولية وجعلها ورقة للمساومة السياسية.

 

لكن التسليم بوجود بعد سياسي وراء مماطلة الحوثيين في احتواء أحد أسوأ الكوارث البيئية، لا يعفي الأمم المتحدة التي تقول إنها أصبحت على بينة من الأمر من قبض يدها في حسم مشكلة الخزان (القنبلة) بمقتضى البند السابع الذي يخولها الحق في التدخل المباشر لإنقاذ الوضع ومنع حدوث كارثة يخشاها العالم، بعد أن أمست فزّاعة بيد طرفٍ لا يجد حرجًا في ابتزاز الجميع بامتلاكه حق التصرف في أمرها.