• 0

  • 20

    إب

  • 16

    ذمار

  • 15

    صنعاء

  • 32

    عدن

  • 23

    محافظة تعز

ما الذي أرعب ذراع الإمارات..؟ (احتجاجات كريتر) من الهتاف الأول وحتى الاجتياح الدامي

تقارير وتحليلات

في الثالث عشر من شهر سبتمبر من العام الجاري 2021م شهدت مدينة كريتر بالعاصمة عدن احتجاجات شعبية غاضبة من تردي الوضع الخدمي والمعيشي وغياب الحكومة وتنصل المجلس الانتقالي عن مسؤولياته.. وامتدت الاحتجاجات من عصر ذلك اليوم إلى المساء تخللها قطع للطرقات الرئيسة ودعوات للعصيان المدني وإغلاق محلات الصرافة.

 

ومنذ اليوم الأول لتلك الاحتجاجات التي توسعت لاحقاً لتشمل مديريات أخرى كالتواهي والمعلا والشيخ عثمان والمنصورة، قمعت مليشيا الانتقالي تلك الاحتجاجات وأطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين، فما الذي أرعب (ذراع الإمارات) المتمثلة بالمجلس الانتقالي.

 

خلت تلك الاحتجاجات التي لقيت اهتماماً واسعاً من وسائل الإعلام المحلية والخارجية من أي دعوات مناطقية، أو جهوية والتزمت بشعارات حقوقية تطالب بتحسين الحياة المعيشية والخدمات.. وهو ما مثل امتحانا حقيقيا أمام المجلس الانتقالي ومدى صدق الشعارات البراقة التي يروجها في قيم الحرية والديمقراطية وحرية التعبير.

 

وعلى الرغم من قمع التظاهرات فقد تزايدت وتيرتها اليومية بشكل تصاعدي وكسبت تعاطفا وتأييدا شعبيا وللوهلة الاولى بدا أن حراكا حقوقيا يتخلق في الشارع العدني بعيدا عن الانتقالي الذي ظل محتكرا حركة الشارع لسنوات عديدة.

 

وفي يوم الأربعاء السادس عشر من شهر سبتمبر قتلت مليشيا الانتقالي الشاب العدني، زياد زاهر الطالب في سنة رابعة كلية الهندسة جامعة عدن، برصاصة في الرقبة أثناء تفريقها المتظاهرين في مدينة كريتر، وشكل هذا التاريخ منعطفا في مجرى الأحداث في مشهد أعاد للذاكرة العدنية سلوكيات القمع لدى الأجهزة الأمنية في نظام الرئيس السابق علي صالح وتساوت عندها الجهتين في قتل احلام المتظاهرين المطالبين بنفس المطالب.

 

كانت رسائل الحراك العدني بقيادة المتظاهرين في كريتر واضحة لكل الأطراف، فبالنسبة للانتقالي فقد أسقطت أكذوبة التفويض الشعبي واحتكار تمثيل الجنوب التي ظل يرددها ويحاول منحها صفة القداسة، وإلى التحالف العربي والسعودية تحديدا أن عليها فرض اتفاق الرياض لإنهاء العبث الحاصل في عدن، وإلى الشرعية أن لا يفيد التنصل من المسؤولية وكل مسؤول فاسد أو مقصر ستتم محاسبته.

 

وفي اليوم نفسه أعلن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي إعلان حالة الطوارئ، وهو يرتدي بزته العسكرية وهو ما فسر أنه قرار لمواجهة وقمع الاحتجاجات الشعبية في عدن حتى النهاية، واعتبر الإعلان بمثابة أمر صريح بقتل المتظاهرين من أبناء عدن.

 

لكن المظاهرات ازدادت وتيرتها في اليوم التالي في رفض صريح على إعلان حالة الطوارئ، وكشرت آلة القتل الانتقالية عن أنيابها، وشنت حملات ملاحقة واعتقال للناشطين للسيطرة على الموقف.

 

وتوالت ردود الأفعال المنددة بقتل المتظاهرين محليا وخارجيا وطالبت المكونات والمنظمات المجلس الانتقالي بتحقيق عاجل والقبض على الجناة وتقديمهم للعدالة.

 

وبدا أن ورطة الانتقالي الذي غرق في شبر ماء الاحتجاجات لم يعد هناك حل للخروج منها سوى اسكات كريتر المنتفضة قائدة الاحتجاجات في عدن والتنكيل بها لتقديمها عبرة لبقية المديريات.

 

حاول محافظ المحافظة احمد لملس السيطرة على الشارع المحتقن بقطع إجازة المدارس التي أعلنت في وقت سابق ضمن تدابير الوقاية من فايروس (كوفيد ١٩)، لعله انطلق من استنتاج يفيد أن معظم المحتجين كانوا في سن طلاب الثانوية.

 

وعلى مدى 14 يوم كانت كريتر فوهة البركان يغلي مرجل الثورة منها وفيها كانت كفيلة بهز عرش الحكام الجدد القادمون من الارياف فقرروا ملاحقة المحتجين والتنكيل بهم وتشويه صورتهم ورميهم بالتهم تارة بالمندسين وتارة بالنازحين.. وهنا تشكلت ملامح مرحلة جديدة من تلك الاحتجاجات حيث قرر المجلس الانتقالي عسكرة مدينة كريتر بغرض اسكات الصوت العدني، الذي بات هديره يرعب الجميع ويهز صورة الانتقالي أمام العالم.

 

وفي مساء الجمعة الأول من شهر أكتوبر وبعد أسبوعين من الاحتجاجات المتواصلة حشد المجلس الانتقالي قواته العسكرية على تخوم مدينة كريتر ودفع بعشرات الاليات والمدرعات وفرض حصارا على المدينة ومنع الدخول والخروج منها وإليها.

 

هنا قرر المجلس الانتقالي تقديم كبش فداء لمخططه الرهيب، فكان أن اختار أحد قيادات مليشياته وهو (إمام النوبي) لوصمه بالتهمة المعلبة (الإرهاب) الذي تستباح تحتها كل الخطوط الحمراء والمحرمات وتسقط الأعراف والقوانين خلال الحرب من أجلها.. كان الانتقالي يواجه مأزق اقتراب موعد زيارة المبعوث الأممي الجديد إلى العاصمة عدن وعليه أن يسابق الزمن لإخراس أصوات الاحتجاجات، وإن بعسكرة المدينة وتعريض حياة مئات الآلاف من السكان للخطر.

 

وفي صباح الثاني من أكتوبر 2021م شنت قوات الانتقالي هجومها على حي الطويلة الحصين معقل (أمام النوبي) وشهدت معارك الوصول إليه واقتحامه، مواجهات شرسة استخدمت فيها جميع الأسلحة ودمرت البنية التحتية للأحياء المكتظة بالسكان وقصفت المنازل والمساجد وأحرقت الممتلكات الخاصة والعامة وراح ضحية المواجهات مدنيين عزل بينهم أطفال سقطوا نتيجة عنجهية قرار يرقى إلى جريمة حرب.

 

وأعلن عن 6 قتلى وأكثر من 61 جريحاً بينهم مدنيون وأطفال.. هي حصيلة الاجتياح الأولى ونحو 400 حالة انتهاك بين مداهمات منازل واعتقال واخفاء قسري.

 

وبعد عشرين ساعة من الحرب على المدينة أعلن الانتقالي سيطرته على الموقف وظهر قادته وهم يلتقطون (السيلفي) ويوزعون ابتسامات صفراء مقززة وهي ترقص على أشلاء الضحايا وجماجم أبناء عدن المسحوقين.. في حين لم تحقق الحملة العسكرية هدفها المعلن وهو القبض على (إمام النوبي) حيث مت يزال طليقاً حتى لحظة كتابه هذا التقرير.

 

حسناً إذن فهو نصر بطعم الهزيمة، اقتحمت ولم تسيطر، وكادت كريتر أن تقسم الانتقالي إلى فريقين متصارعين، وأجزم أنها فعلت، وبدلاً من ملاحقة أمام النوبي والقبض عليه شن الانتقالي حملات ملاحقة ومداهمات لمنازل الناشطين في الاحتجاجات الشعبية واعتقل المئات من شباب المديرية في مسعى لتركيع المدينة وإخضاع شبابها وإسكات الصوت العدني المطالب بالحقوق وتقديم المدينة نموذج مرعب لبقية المديريات.

 

وتوالت ردود الأفعال المنددة محليا ودوليا بممارسات مليشيا الانتقالي في مدينة كريتر معتبرة ما تعرضت له المدينة هو ترجمة لإعلان عيدروس الزبيدي لحالة الطوارئ لمواجهة توسع رقعة الاحتجاجات الشعبية في جميع مديريات عدن، لكن اختبار كريتر كان الاصعب واللغم الذي ظل الانتقالي يغذيه حتى انفجر وجهه.

 

أعادت أحداث الثاني من أكتوبر 2021م مشاهد انتفاضة العشرين من يونيو ١٩٦٧م في مدينة كريتر كأول مديرية تتحرر من الاحتلال البريطاني، فالمدينة التي تربض على فوهة البركان لا يتوقف غليانها وعنفوانها، ومن تقف على ناصية المحيط، حري بها أن نقاتل لتلفظ كل العابرين على شطآنها.. تلك حتمية تكرر التاريخ وثبات الجغرافيا.